![]() |
| صورة افتراضية لعمليات التعدين المستقبلية |
يسعى
الإنسان منذ القدم لاستكشاف الفضاء الخارجي وتحقيق الاستفادة الأقصى من موارده
الطبيعية، كالمعادن والغازات والمياه والعديد من الموارد الأخرى ومن هذا المنطلق،
نشهد اليوم اهتمامًا كبيرًا بتعدين الفضاء والكويكبات والأجرام السماوية، فما هو
مصطلح تعدين الفضاء، وما هي الكواكب والكويكبات الصالحة للتعدين، وما هو السيناريو
المتوقع الذي قد يصيب الكرة الأرضية والعالم في حال تمت عملية التعدين؟
تعريف
مفهوم تعدين الفضاء: هو مفهوم حديث ويعني الاستغلال الاقتصادي للموارد الطبيعية في
الفضاء الخارجي، بما في ذلك الكواكب والأقمار الصناعية والنيازك والمذنبات
والموارد الأخرى المتاحة في الفضاء، والاستفادة منها بما يخدم مصلحة البشرية.
وأثار
هذا المفهوم اهتمام الكثير من العلماء والخبراء بالإضافة للمستثمرين الاقتصادين،
وذلك لأن الكواكب والأجرام الفضائية تحتوي على موارد ثمينة مثل المعادن والغازات
والماء والأكسجين والنيتروجين وغيرها من الموارد التي يمكن استخدامها لدعم الحياة
وتحقيق التنمية الاقتصادية في المستقبل.
في
الواقع تعد فكرة تعدين الكواكب ليست فكرة جديدة، ولكن بدأ الحديث عنها بشكل أكبر
في السنوات الأخيرة، وخاصة في عام 2012، حيث أطلق الملياردير الأمريكي "إيلون
ماسك" فكرة تعدين الكواكب خلال مقابلة مع صحيفةThe Guardian، إذ أشار إلى أن التعدين على
الأرض سيصبح مكلفًا للغاية في المستقبل، وبالتالي فإن البحث عن موارد خارج كوكب
الأرض يمكن أن يكون الحل الأمثل.
ومنذ
ذلك الحين، اهتمت الشركات الخاصة ووكالات الفضاء الحكومية بفكرة تعدين الكواكب،
وتم تطوير تكنولوجيا جديدة لاستخراج الموارد من الفضاء الخارجي.
أنواع
الكويكبات والكواكب
يوجد
أنواع عديدة من الكويكبات مختلفة عن بعضها البعض وفقاً لخصائصها المختلفة، وسوف يتم
ذكر أهم 4 أنواع من الكويكبات في المقال:
النوع
الأول الكويكبات الصخرية (C-type asteroids): يعتبر هذا النوع الأكثر شيوعاً في عالم الفضاء، حيث تشكل 75% من
أنواع الكويكبات والكواكب وتحتوي على كميات كبيرة من الصخور والمعادن وتشكل
العناصر السابقة التركيب الأساسي للكواكب الصخرية.
النوع
الثاني الكويكبات الجليدية أو الثلجية (D-type asteroids): وهي الكويكبات التي تتكون من
مواد مائية مثل: الماء والأمونيا والثلج الكربوني، وتعتبر هذه الأنواع مهمة للغاية
بالنسبة للعلماء، حيث يتم استخدامها في دراسة تاريخ النظام الشمسي وكيفية تشكل
الكواكب.
النوع
الثالث الكويكبات الخضراء (S-type asteroids): هي الكويكبات التي تحتوي بشكل رئيسي على السيليكات والمعادن
الأخرى، ويتميز الكويكبات الخضراء بوجود كميات كبيرة من الماء على سطحها، مما
يجعلها مهمة في دراسة تطور الحياة في الكواكب.
والنوع
الأهم والذي سوف نتطرق للحديث عنه في هذا المقال هو الكويكبات المعدنية (M-type asteroids): وهي
الكويكبات التي تحتوي بشكل رئيسي على المعادن كالنيكل والحديد والذهب والكلوبالت..الخ
وغيرها من المعادن التي تدخل في العديد من الصناعات، وتعتبر تلك الأنواع من الكواكب هي الأمثل
لعمليات للاستخراج والتعدين مثل كويكب 16 Pysche.
كويكب 16 Pysche محط
الأنظار
اكتشف
كويكب 16 Pysche في الـ
17 من مارس/آذار لعام 1852 على يد عالم الفلك الإيطالي أنيبال دي غاسباريس -الذي
ولد في عام 1819 في مدينة بونيارا الإيطالية- وهو اسم مستوحى من اللغة اليونانية
القديمة والتي تعني (إله الروح اليونانية التي ولدت بشريًا وتزوجت من "إيروس رومان
كيوبيد" إله الحب) ووصف وكالة ناسا الأمريكية كويكب 16 Pysche بغناه بالمعادن الثمينة حيث يبلغ قطره حوالي 140
ميلًا (226 كيلومترًا)، وهو ما يعادل 1/16 قطر قمر الأرض أو المسافة بين مدينتي لوس
أنجلوس وسان دييغو.
يدور
16 Pysche حول الشمس
بين المريخ والمشتري على بعد يتراوح من 235 مليون إلى 309 مليون ميل (378 مليون
إلى 497 مليون كيلومتر) من الشمس، وهو ما يعادل 2.5 إلى 3.3 وحدات فلكية (Astronomical Units) التي
يرمز لها باختصار (AU)، من المسافة بين الأرض والشمس ورمزها (1 AU).
يستغرق
16 Pysche حوالي خمس
سنوات أرضية لاستكمال دورة كاملة حول الشمس، ولكن يستغرق أكثر من أربع ساعات للدوران
مرة واحدة حول محوره، وذلك حسب تقرير نشرته وكالة ناسا الفضائية على موقعها في تاريخ
11-08-2022، وأضافت الوكالة أيضاً أنه قد يكون 16 Pysche النواة الجزئية أو اللَبنة الأولى لكويكب كوكبي
محطم يقدر حجمه بمدينة أو دولة صغيرة وإذا كان كذلك، فدراسة كويكب 16 Pysche والوصول أكثر لنواتهِ ستكشف لنا عن نظرة قريبة
على العديد من نوىً الكواكب الصخرية مثل التي تشبه كوكب الأرض التي يستحيل الوصول
إليها بسبب درجة الحرارة العالية التي تتجاوز الـ 5000 درجة مئوية.
وتهدف
وكالة ناسا إلى زيارة هذا الكويكب الذي أثار اهتمامها حيث من المتوقع إطلاق ناسا مركبة
فضائية في عام 2023 لتصل في عام 2027 ودرس الفلكيون على الأرض كويكب 16 Pysche باستخدام الأطوال الموجية
المرئية والأشعة تحت الحمراء، بالإضافة إلى الرادارات، واكتشفوا أنه له شكل يشبه
حبة البطاطا.
قوانين
واتفاقيات الفضاء
تعدين
الفضاء يتطلب تقنيات متقدمة لاستخراج واستغلال الموارد الفضائية ونقلها إلى الأرض،
عن طريق أرسال الآليات والروبوتات والمركبات الفضائية المستخدمة في هذه العملية
والتحكم بها. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أيضًا تحديات تتعلق بالتشريعات والسياسات والاتفاقيات
كاتفاقية الفضاء الدولية التي وقعت في عام 1967 المتعلقة بتعدين الفضاء والتي يجب
تحديدها وتطبيقها بشكل صارم لضمان استغلال الموارد الفضائية بشكل مستدام وفعال
مؤكدة على حرية استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي والاستفادة من موارده الطبيعية
لأغراض سلمية، بالإضافة لعدم الإضرار في البيئة الفضائية.
بالرغم
من التحديات الكبيرة التي تواجه تعدين الفضاء، فإنه يشكل فرصة كبيرة لتحقيق التقدم
التقني والعلمي والاقتصادي في المستقبل، ناهيك عن الاستحواذ على موارده إذ يحتوي
على عدة معادن نادرة وثمينة يمكنها سد حاجات البشر على الأرض وتطوير التكنولوجيا،
التي تزيد من مساعدة البشرية في عمليات التطوير لفهم أكثر تركيبة الكون وتحليل تلك
المعادن بالإضافة لخوض مغامرات أخرى والذهاب لمجرات أبعد في الفضاء.
تهتم
العديد من الدول بقطاع تعدين الفضاء، حيث أنشأت أرضية خصبة وتعمل على تطوير بنية
تحتية قوية تشمل قوانين وتشريعات ومواقع استراتيجية على أراضيها من أجل تسهيل تلك
العملية الصعبة وتطويرها وجعلها أسهل وأكثر فاعلية ومن أهم الدول الولايات المتحدة
الأمريكية واليابان والصين بالإضافة لروسيا والإمارات العربية المتحدة.
كميات
هائلة من الثروات الباطنية
قدر
العلماء قيمة الثروات الباطنية في كويكب 16 Pysche ما يقارب 700 كوينتيليون دولار (أي 700 وأمامها
18 خانة من رقم 0 ) ويقول العلماء إذا توزعت تلك الثروات على سكان العالم الذي يبلغ
عددهم 48 مليار شخص فستبلغ حصة كل شخص ما يقارب 90 مليار دولار، وهنا يأتي السؤال
هل تلك الثروات سوف تكون نعمة للبشرية يمكن أن يستفاد منها، أم أنها قد تصبح نقمة
تأجج الصراعات والحروب بين الدول والشعوب؟
في
الحقيقة ينقسم المحللون والخبراء إلى قسمن القسم الأول يحبذ ويرحب بفكرة تعدين الكواكب
مما تحمله من فوائد للبشرية وللكرة الأرضية، ففي طبيعة الحال المواد والثروات الباطنية
الموجودة في الأرض في تناقص مستمر مترافقاً بارتفاع في الأسعار بسبب عمليات التنقيب
المستمرة مع صعوبة التعويض الذي يستهلك وقت زمني كثير، وإذا تم توريد كميات كبيرة
من المعادن والثروات الباطنية من الفضاء أو كويكب 16 Pysche، فإنها قد تؤدي إلى انخفاض
أسعار هذه المواد الخام على الأرض، وبالتالي قد تؤدي إلى تغييرات في سوق العمل
والصناعات المرتبطة بهذه المواد، وبالتالي تحسين العديد من القطاعات كالقطاع
التكنولوجي والصناعي وظهور صناعات جديدة مما يؤدي إلى تحسين في الاقتصاد العالمي، الذي
يخلق أيضاً تنافساً تجارياً بين الدول.
لكن
نوه المحللين والخبراء على توزيع الثروات الباطنية بطريقة عادلة بين الدول، وضمان
استخدامها بطريقة مستدامة، لتفادي أي تأثيرات اجتماعية وبيئية سلبية قد تؤثر على
التوازن العالمي وتؤدي لنشوء صراعات شرسة بين الدول، فبحسب الخبراء الذين يتحفظون
بفكرة التعدين ويرونها سلبية سوف تؤثر بشكلٍ سلبي وتلقي بظلالها على العالم
والبشرية أجمع.
وقد
يتسبب تعدين الكواكب في تدمير البيئات الطبيعية على تلك الكواكب، مما يؤثر على
التوازن البيئي للكوكب، ويمكن أن يؤدي إلى تلف النظم الإيكولوجية والتلوث البيئي،
وعلى الجهة الاقتصادية قد يؤدي تعدين الكواكب إلى تخفيض قيمة بعض المعادن والعملات
مما يمكن أن يؤثر على الاقتصاد العالمي، ناهيك عن نشوء نزاعات اجتماعية ودولية حول
توزيع الثروات الناتجة عن التعدين، وقد يتسبب في تشكيل مجتمعات جديدة في الفضاء،
والذي بدوره سوف يؤدي إلى تغيير التوازن الجيوسياسي بين الدول، الذي سوف يشعل حروب
عالمية شرسة.
كما
يمكن أن يتسبب تعدين الكواكب في تعريض العمال لمخاطر صحية، مثل التعرض للإشعاع
والمواد الكيميائية الخطرة، بالإضافة إلى انفجار المصانع أو تسرب المواد الخطرة،
وقد يؤدي ذلك إلى تلوث البيئة وجعل بعض المدن كمدن أشباح غير قابلة للحياة البشرية.
لهذا
السبب، يتعين على الشركات العاملة في مجال تعدين الفضاء أن تلتزم بأعلى معايير
السلامة والبيئة والصحة المهنية، بالإضافة لتعديل بعض القوانين القديمة كمعاهدة
الفضاء 1967 واتفاقية القمر 1979 والتي تم التصديق عليها من قبل 13 دولة من دول العالم
في عام 2013.
نستطيع
القول أن تعدين الفضاء هو مجال جديد يحمل في طياته فرصًا هائلة للتطوير والازدهار
في المستقبل، كما إنها فرصة ذهبية لاستغلال الموارد الطبيعية التي يوفرها الفضاء،
وتوفير الوقود والمواد الخام التي يمكن استخدامها في الصناعات الأرضية.
ومع
ذلك، يجب على العلماء والمهندسين والمستثمرين وصناع القرارات العمل بجد لتطوير
تقنيات التعدين في الفضاء بطريقة مستدامة وآمنة، مع مراعاة تأثيراتها على البيئة
وحقوق الإنسان، ويتعين علينا أيضًا التأكد من أن هذه العملية تتوافق مع المعايير
الدولية والقوانين الدولية، وأنها لا تتسبب في أي تداعيات خطيرة على الفضاء والأرض
قد تسبب بنشوء صراعات قوية بين المجتمعات والدول.
على
المدى القصير، يبدو أن تعدين الفضاء قد يواجه تحديات عديدة، بما في ذلك التكلفة
العالية وصعوبة تطوير تقنيات التعدين في بيئات فضائية قاسية، ولكن على المدى
البعيد فإن هذه الفرصة قد تثبت أنها مفيدة للبشرية في مجالات مثل الطاقة والمواد
الخام والتجارة والبحث العلمي.

تعليقات
إرسال تعليق